من تعقيدات تصريف فعل الثورة مغربيا

ظل فعل الثورة الحديثة يُصرَّفُ أعجميا ردحا طويلا حتى بداية الألفية الميلادية الثالثة حيث عشنا ورأيناه (فعل الثورة) يُصرَّفُ عربيا.. فأخيرا استيقظ الناس في هذه الرقعة الموؤودة حضاريا وقرروا التحول إلى أمم تصنع قدرها بعدما كانت تصنعه لها القوى الخارجية مدعومة بأنظمة الحكم المحلية القهرية.
صحيح إن الأوان لم يحن بعد للحسم في مآل ما تمور به البنيات الاجتماعية العربية، التي أخذت تلفظ أنظمة الحكم القمعية القهرية تباعا، ذلك لأن شرط نجاح الثورة بمعناها الحديث لا يقوم على خصيصة الرفض الاجتماعي، على أهميته، بل على قدرة قوى حية سياسية واقتصادية واجتماعية على إنتاج شروط الدولة والمجتمع الديموقراطيين.. وما يزيد هذه الشروط تعقيدا أنها تُزامن محيطا دوليا تُشَكِّلُ فيه التنافسية غير المتكافئة عقبة كبيرة للإمساك بزمام تقرير المصير الحضاري، ذلك لأن الثورة لا تقف عند سقف رفض القهر بل إنتاج أسباب التحرر السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني.. وبالتالي هذا السؤال: هل ستنجح البلدان العربية حيث قامت وتقوم الثورة، في إقامة أسس وبنيات الدولة والمجتمع الديموقراطيين التي بدونهما لا يُمكن الحديث عن أهلية عربية بين القوى  الأممية الديموقراطية؟ السؤال سابق لأوانه، بيد أن الأهم تحقق بأكبر خطوة في درب الألف ميل، نحو التحرر السياسي والإقتصادي والاجتماعي ونعني به الإطاحة بالاستبداد أم كل الشرور (بتعبير عبد الرحمان الكواكبي) كما تم لحد الآن في كل من تونس ومصر والحبل على الجرار.

مغربيا ما زال دون خطوة الإنتهاء مع الإستبداد الكثير من العراقيل الكأداء، ومنها أن مكونات الدولة والمجتمع لم يأتها حديث الثورة فتأخذه من حيث يجب.. نعم تنادى شباب حركة 20 فبراير إلى مسيرات في المدن المغربية للمطالبة بالتغيير وإنهاء الاستبداد.. بل وحتى المطالبة بإسقاط النظام (تأسيا بما وقع ويقع في دول الجوار الإقليمي والعربي) لكن يبدو أن هذه الأصوات الشبابية لم تصل بعد إلى الغور المطلوب.. كيف ولماذا؟
كان مُلفتا في تونس ومصر خلال الأيام الأولى لاندلاع الثورة أن تلتحق جحافل أصحاب مِهن الطبقة المتوسطة من محامين ومهندسين وأطباء وصحافيين.. بشباب الثورة للمطالبة بتغيير النظام وليس للإحتجاج، مثلا، ضد وزيرة صحة لا تملك من أمر الصحة في بلد المخزن والغاشي إلاَّ ما يُملى عليها، كما فعل أطباء مغاربة، أو كما يفعل المعطلون الشباب عندنا، اللذين ركبوا هذا المد الثوري العربي وكثفوا من مظاهراتهم للحصول على مناصب شغل في القطاع العام، ثم ليركنوا لسكون الأموات/الأحياء إذا ما نالوا بغيتهم.. فمتى كانت الحرية إسقاط امتحان ولوج مباشر لمهنة بالنسبة للأطباء أوشغلا بالنسبة للمعطلين؟ صحيح إن مطالب من هذا القبيل حق أساسي لكنها لا تُفضي إلى الديموقراطية والحرية بل قد تعني أغلال جديدة مكان القديمة.. وهو موقف تصدق عليه النكتة القائلة: سأل مواطن أمريكي مغربيا « ما هي أحلامك في الحياة؟ » ليجيبه « أن أحصل على شغل وأتزوج وأنجب » ليعلق الأمريكي « سألتك عن أحلامك وليس حقوقك ».
المخزن الملكي لم يصنع فحسب « محظوظيه » وقوامهم بورجوازييه اللذين يهش عليهم ب « تقويمه الضريبي » بل صنع أيضا بروليتارييه وفقرائه.. كيف ذلك؟ ببساطة لأنه أنتج شروط حياتهم في مدن وقرى وبنية إنتاجية « مُناسبة » ومؤسسات أمنية وإدارية.. إلخ أفلحت في « تفئيرهم » (من الفأر) وبذلك تحكم في شروط التغيير وأبقاها عنده.. فمصدر التشريع والتتنفيذ والتمويل معه والباقي كالحكومة والبرلمان والمجالس.. إلخ تفيض منه أو تفضل عنه.

كان ملفتا أيضا مغربيا، أنه غِبَّ هبوب نسائم الثورة اتجاه ربوع بلاد المخزن والغاشي، أن الأحزاب الرسمية ملكيا ومخزنيا اتخذت مواقف رافضة بل وتحقيرية سافرة من حركة شباب 20 فبراير، إذ هناك من قادة تلك الأحزاب مثل عبد الاه بنكيران مَن ذهب إلى حد نعتهم بالشواذ وأكلة رمضان، وأُوتي ويُأتى بقادة تلك الأحزاب إلى وسائل الإعلام العمومي ليقولوا في شباب الحركة ما لم يقله مالك في الخمر.. نعم إن لهذه القاعدة استثناءات وهي قليلة جدا تُحسب على رؤوس أصابع اليد الواحدة، حيث تعففت بعض الشخصيات السياسية المحترمة من كيل الشتم والرفض للمعنيين والمعنيات.. لكنها أصوات على أهميتها ضاعت للأسف وسط هذا الضجيج الملوث.
وماذا عن رجالات ونساء المال والأعمال؟ إنهم غير معنيين بما يحدث فهم مشغولون باستثماراتهم « المتشابكة » مع مصالح المخزن الملكي.. وبالتالي مصلحتهم من مصلحته. وإذا حدث و « خرجت رجل أحدهم من الشواري » كما حدث مع باطرون « ريشبوند » كريم التازي الذي زوَّد بضعة شباب حركة 20 فبراير بأجهزة حواسيب وأدى فاتورة دستة من اللافتات التي انتقاها هو بعناية، فسرعان ما تهش عليه عصا المخزن الملكي في شكل « تقويم ضريبي ».. ومعنى هذا أن لا أحد من رجالات ونساء المال والأعمال المغاربة (الكبار تحديدا) لذيه سجل ضريبي نظيف. وهذه آفة حقيقية استعملها المخزني الملكي مبكرا لإخصاء الثروة حتى لا تنجب الثورة.
والمثقفون؟ غالبيتم كانوا دائما مشغولين بإنتاج الكلام « العالم » المتعالي وأفئدتهم مشدودة إلى صُرَّة المخزن الملكي النقدية الشحيحة من البخل « المدروس » وليس الفقر.. أوه صحيح لقد باض ثلة قليلة منهم مؤخرا « بيانا من أجل الديموقراطية » ضاعت كلماته الفضفاضة في حرص شديد على مصالح زهيدة من قبيل أجور متحصلة وامتيازات بئيسة.
وعامة الناس أي الشعب؟ إنه البعبع النائم الذي يتحدث الجميع باسمه لكنه غير معني بهؤلاء ولا أولئك.. إنه يعي فقط ما يلمسه ويراه، ويتفاعل مع الشروط الدنيا التي تُمنح له، كأن يفرح بصخب لانتصار عابر في مباراة لكرة القدم و « يتعايش » مع مؤثاث صعبة للحياة لأنه لا يتوفر على وسائل تغييرها وليس رفضها « الصامت » فحسب.. ومع ذلك فإنه يظل لغزا لا أحد يدري متى تنفك طلاسمه فيرفض قدره ليُنتج الأسوأ أو الأفضل.
  المغاربة شعب محافظ ومسألة التغيير بمعناه الحضاري الحديث تبدأ على مستوى القِيم.. فالتغيير أو الثورة بمعنييهما الإيجابي يظلان قيمة مضافة سياسيا واقتصاديا وثقافيا. النظام السياسي يعي هذا الشرط لذا فلن يكون أبدا أول مَنْ ينزع الغطاء عن القِدر بل سيتركها تغلي بتناقضاتها ويغذيها حسب شطارته المكتسبة بالتجربة.. ولحد الآن فإن العملية ناجحة لكنها غير مضمونة النتائج.. ما همَّ فلكل حادث حديث.
القُدوة الثورية في أقصى سقفها ماثلة للعيان إقليميا وعربيا غير أن تصريفها مغربيا سيظل دونه تعقيدات كثيرة، والسباق قائم على مَن يتوفر على النَّفس الطويل: نظام المخزن الملكي أم محكوميه.. الأول يُنتج شروط وجود الثاني لكنها (الشروط) موضوعة على مِحك الصلاحية أكثر من أي وقت مضى.
مصطفى حيران

Publicités

A propos mhairane

journaliste indépendant.
Cet article a été publié dans Uncategorized. Ajoutez ce permalien à vos favoris.

4 commentaires pour من تعقيدات تصريف فعل الثورة مغربيا

  1. bouazza dit :

    Les conditions d’une révolutions ne sont pas encore réunies au Maroc comme ce fut le cas e, Egypte ou en Tunisie – Nous sommes en retard par rapports à ces deux pays respectivement de 70 ans et de 35 ans sur le plan culturel, intellectuel, économique, social et politique. Au Maroc les gens sont encore à l’Etat brut comme les minerais qui necessitent un raffinage par la civilisation, la culture. Je suis très étonné du niveau des profs unuversitaires au Maroc : aucune culture, ou compétence, des ignards, aucune pensée logique analytique … On n’arrive pas à faire la différence entre un Samsar et un universitaire- Rien ne intéresse les universitaires : ni cinéma ni livre ni roman ni débat intellectuel – Oualou – A part ATTARKIA, ZIADA, etc. Que dire des enseignants dans les autres cycles ? C’est très lamentable, on le saisit dès qu’on parle avec certains : ce sont des « paysans » au sens négatif, c’est-àdire portant des valeurs et une culture rétrograde – Sans parler des COMPLEXES psychologiques, des frustrations et des inhibitions… Il faut qu’il y ait une transformation de fait pour avoir une révolution et il faut absolument dépasser la religion telle qu’elle est servie au troupeau…

    • مقالك في غاية التشخيص للحالة المغربية داخل محيط عربي يشهد انتقالات سياسية واجتماعية وثقافية من الجمود إلى أشكال مختلفة من الإبداع الإنساني في طريق بناء نظام سياسي جديد ومؤسسات دستورية ونخبة سياسية جديدة، تمثل طموحاته في التغيير وتمكين الدولة من أدوار في حجم تاريخيها ووزنها وانتظارات الأمة العربية والإسلامية، تحت رقابة مجتمع حي يصنع قدره بمشيئة الله ويختار قادته بإرادته، وأتمنى أن نذهب إلى ما هو أبعد من التشخيص، لفهم كيفية الانتقال من حالة التردد والمراوحة المغربية إلى حالة الفعل الذي يخرج حركة التغيير من الالتفاف القاتل الذي تقوم به أحزاب المخزن وقواه المحافظة وأخذ زمام المبادرة لإنتاج قطيعة مع سياسات النظام والدخول فعليا في مرحلة التغيير الحقيقي بطرح تصورات بديلة عن النسق السياسي القائم دستوريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ونخبويا وقيميا

  2. Momo 7 dit :

    Voici un vrai journaliste, voici un bon article, voici un bon Marocain . une analyse trés fine et profonde de bled alMakhzen avec les concepts et les termes qu’il faut . Merci Hirane

  3. loubna dit :

    هناك عزوف لا بل حقد و كره لكل ما هو فكري ابداعي فني في المغرب…هناك عقلية انتهازية خبزية كرشية…لا غير…ليس لدينا ذلك العمق الحضاري المعرفي كما هو الشأن مثلا في مصر… امس البارحة اخذت في قراءة الاعمال الكاملة لقاسم امين …و اعجبت باسلوب و رهافة الكاتب و تحليله العميق و نظرتة الثاقبة..اعمال كتبت في النصف الثاني من القرن 19 …نفس الشيئ يقال عن الكواكبي…و غيره كثيرون..اعود الى المغرب و اجد الفراغ الممتد قرونا حتى اليوم..هنا فرق او علامة فارقة..لا عمق فكري يذكر (اللهم فترة الاندلس)…ماذا حصل اذن؟ التاريخ وحده بامكانه الاجابة بدقة عن السؤال..في مجموعته القصصية يبين عمران المليح في احد نصوصه و مجاز بليغ كيف تمتد يد سوداء مهيمنة قوية (هي يد الشيطان) على طول البلد لتشوه جماله و تلوث طبيعته و مدنه و تمسخ ناسه و ثقافته و لغاته…ثمة صورة معبرة ايضا و هي 2M : تلفزة وطنية تقدم نشرة اخبارها الرئيسية بالفرنسية (لغة اجنبية لا يفهما جميع المغاربة…تلفزة تترجم فيها اقوال المغاربة الى لغة اخرى غريبة للمغاربة انفسهم…انها اعظم وقاحة و خبث…لم ارى دولة تعادي مواطنيها اكثر من الدولة المغربية..هنا تفهم رمزية قصة عمران المليح..

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s