دستور للملك أم للشعب؟

عبر تاريخ المغرب وحتى غابر الزمن المقبل لن يصح أبدا القول أن دستور يونيو 2011 جاء نتيجة مخاض عسير كما هو شأن كل اللحظات والمحطات العصيبة في تاريخ المجتمعات قديما وحديثا. لماذا؟
نص دستور 2011 لم يأت عقب ثورة قام بها الشعب ليُبدل حاله من طور حكم الفرد « الصمد » إلى حكم الشعب « المدد » كما حدث ويحدث في مصر الآن مثلا، كما أنه لم يأتنا من صراع مرير بين طبقة سياسية حزبية حريصة على دمقرطة البلاد والعباد والنظام الملكي المخزني.. كلا، لا هذا ولا ذاك كما نعلم علم اليقين.. دستور 2011 يظل من الملك وإليه ما دام أن محمد السادس هو الذي أعلن عن رغبته في خطاب تاسع مارس الماضي بتغيير الدستور.

صحيح إنه لولا « هذه اللحظة الثورية التاريخية » في المنطقة العربية ونضالات حركة شباب 20 فبراير والضغوط الخارجية (سيما من الولايات المتحدة الأمريكية) لما كان هناك حديث عن تغيير دستوري ولا هم يحزنون في بلاد المخزن والغاشي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. لكن من الصحيح أيضا أن دهاقنة التفكير المخزني انتبهوا إلى دِقَّة وحرج موقف الملكية في هذه الأجواء العصيبة على أنظمة الحكم الفردية في العالم العربي، فاختاروا مُكرهين لا أبطال، إخراج وثيقة دستورية « جديدة » لامتصاص الضغط المهول.
وبغض النظر عن كل النقاش الدستوري والقانوني المتخصص (نتركه لأهله، سيما النزهاء منهم) يُمكن القول أن الوثيقة إياها متقدمة في مبناها ومعناها من الزاويتين السياسية والتاريخية.. فلأول مرة مثلا يتم التنصيص دستوريا أن الوزير الأول (الذي سيصبح رئيسا للحكومة) سيأتي مباشرة من الأغلبية البرلمانية، أي من الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في الإنتخابات.. وهذا مطلب تعبت في اللحاق به أحزاب المعارضة السابقة الكلاسيكية أزيد من خمسة عقود (منذ دستور نونبر سنة 1962) حيث كان للملك الحق في تعيين الوزير الأول من أية جهة كانت (الحسن الثاني قال مرة أنه لن يجد أبدا مشكلة في اختيار كبير وزراء حكومته لأنه يستطيع أن يختار سائقه لهذا المنصب).. كما أنه لأول مرة يُمكن لرئيس الحكومة أي الوزير الأول أن يُعين وزراءه بالتشاور مع الملك لا أن يتوصل الأول من الثاني بلائحة وزراء الحكومة كما حدث مع عباس الفاسي حين سلمه المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه أسماء الوزراء ضدا على الدستور « القديم » نفسه الذي ينص في فصله الرابع والعشرين أن الوزير الأول يقترح على الملك لائحة وزراء حكومته.. وهذه آفة دستورية حقيقية في مغرب دساتير الحسن الثاني.. آفة حارت في تعريفها وتفسيرها أذهان خبراء القانون الدستوري سيما الجادين منهم مثل الأستاذة رقية المصدق.. ومن سماتها (الآفة الدستورية) أن العديد من النصوص الإيجابية نسبيا في النص الدستوري « القديم » مثل إشراف الوزير الأول على عمل أعضاء حكومت »ه » وكبار موظفي الدولة (المدنيين حصرا) لم تكن مُفعَّلة لأن دستة وزارات مهمة مثل الخارجية والداخلية والعدل ظلت دائما سيادية تمثيليتها في المجالس الحكومية هي لتزجية أوقات الفراغ لا أكثر.
هل سيتم التخلي عن هذه الآفة حين يدخل الدستور « الجديد » حيز التطبيق؟ هذا سؤال مُخيف.

السؤال أعلاه يجرنا للحديث إجمالا عن الضمانات السياسية لتفعيل العديد من الأمور الإيجابية التي جاءت في دستور يونيو 2011 ومنها مثلا هل سيتسلم رئيس الحكومة زمام العمل التنفيذي ويكون مسؤولا عنه (جديا) أمام البرلمان والرأي العام، أم أن الملك سيظل محتفظا كما كان الأمر دائما بالمقص والمطرقة، أي التدشينات الخارجة عن أية برمجة حكومية ناهيك عن المراقبة والمحاسبة؟
ثمة شكوك عديدة ترقى لدرجة اليقين « الدستوري » كيف؟ ببساطة لأن الأداة التنفيذية للدولة ما زالت مُحتفظة في الدستور « الجديد » برأسين تنفيذيين الأول كبير يتمثل في مجلس وزاري يرأسه الملك والثاني صغير هو مجلس حكومي يرأسه رئيس الوزراء.. كما أن الملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى.. فماذا تعني هذه الثنائية الرئاسية العليا والدنيا؟ ربما تحدد علاقة « مول الدار بمكتريها ».
في الدستور « الجديد » احتفظ الملك برئاسة الجيش والأمن ولقب إمارة المؤمنين.. وهذا معناه أن باقي النصوص « الإيجابية » المرتبطة مثل تلك التي تحدثت عن المراقبة والمحاسبة وحرية ممارسة الشعائر الدينية واستقلال القضاء وفصل السلط.. ستظل حبرا على ورق. إذ مَن الذي يضمن أن البرلمان سيُحاسب الملك إذا ما اقترف خطأ أمنيا أو دفاعيا كما حدث مثلا أثناء أزمة جزيرة ليلى أو التجاوزات الحقوقية والقانونية ما بعد 16 ماي؟ هل سيُساءل الملك مثلا عن مسؤولياته المُباشرة عن عمل أجهزة الجيش والأمن والقضاء التي يرأسها دستوريا؟ لا شىء يضمن ذلك لأن الملك « لا تُنتهك حرمته » بموجب الدستور.
وعلى ذكر « حرمة الملك » التي استُعيضت في الدستور « الجديد » عن صفة « شخص الملك مقدس » التي كانت في الدستور « القديم » هل تعني أنه لا يحق التلفظ بكلام ناب وشتم رخيص في حق الملك (هذا حق لكل فرد مواطن خفيرا كان أوملكا) أم لا يحق توجيه النقد له ومحاسبته ومراقبته باعتباره رئيسا للدولة وممثلها الأسمى المسؤول عن الأوراش الكبرى لسير شؤون الدولة؟ لا جواب محدد في دستور 2011 على غرار الدساتير الخمسة السابقة.. إنه الغموض نفسه الذي يُحيل على الظهير الإستعماري الشهير: « كل ما من شأنه.. » وما مصير نص حرية التعبير في الدستور « الجديد » حينما يتعلق الأمر بشخص « ملك لا تُنتهك حرمته »؟
واضح من خلال الجرد السريع أعلاه أن المخزن الملكي احتفظ بزمام الأمور كاملة عنده.. وضمن « خط الرجعة » عن كل « الإيجابيات » السياسية والحقوقية التي جاءت في الدستور « الجديد ».. ومنها مثلا حق الملك في حل البرلمان بمجلسيه وإعلان حالة الإستثناء.. وهذه سمة محورية بارزة في أنظمة الحكم الفردية الشمولية ليس في مقدور المخزن الملكي التخلي عنها لأنها عنوان وجوده.

ثمة معظلة تطبيقية أخرى أمام دستور 2011 وتتمثل في هذه الأرضية الحزبية السياسية المترهلة من كثرة استهلاكها مخزنيا.. إنها الأرضية ذاتها التي أدت « لعبة التعددية » الشكلية الحكومية والبرلمانية.. ونعني بها أحزاب « السيرك السياسي » بتعبير الحسن الثاني نفسه.. هذه الأحزاب لم تدفع في اتجاه التعديل الدستوري حتى يمكن القول أنها ستعمل على الدفاع عنه ومراقبة اجرأته خطوة خطوة، بل منها مَن ليس متفقا مع العديد من الإيجابيات فيه مثل ترسيم اللغة الأمازيغية مثلا، فكيف لها أن تعمل على أجرأة بنوده وفصوله.. إنها أحزاب فرحة بلقب رئيس الحكومة الذي سيُصبح حتما صفة شكلية في أيدي طبقة سياسية تنتظر أن تأخذ ما لا تستحقه، وبهذا الصدد أرجو ألاَّ أكون مُبالغا إذا قلت أن هذه الأحزاب المؤثثة للتعددية الحزبية المخزنية، ما كان لها لتظفر بلقب مثل « رئيس الحكومة يأتي من الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية » حتى لو ظلت تنتظر ثلاثة قرون.. ذلك ببساطة لأنها لم تكن في حاجة إليه فكيف لها أن تُفعِّله وقد جاءها من حيث لا تحتسب؟
إنه وضع سياسي مضحك ومُبكي..
لنطرح هذا السؤال بحذر: هل يمكن اعتبار دستور 2011 متقدما جدا على انتظارات الشعب المغربي؟ يُجيب الكثيرون، سيما الطبقة السياسية المملوكة للمخزن الملكي بحماس أدعى للسخرية والتهكم المُرَّين: نعم.. أمَّا آخرون ومنهم كاتب هذه السطور فيقولون: لا جديد تحت الشمس.. إنه دستور من الملك وإليه بالرغم من كل « الإيجابيات » التي جاء بها لأنها مشروطة بمكبلات واعتراضات النص الدستوري نفسه ناهيك عن عوائق واقع غير إيجابي يصعب تغييره ولو توفرنا على دستور السويد.
الحكم الشمولي الذي سرى في الأمكنة والأفئذة زمنا طال حتى أتى على البشر والشجر والحجر.. لا تنفع معه كل « الروتوشات » الدستورية والقانونية وما إلى ذلك، بل يحتاج إلى إرادة شعبية قوية تصنع واقعا جديدا في كل المجالات تتوج بنص دستوري يكفل الحقوق والواجبات للجميع حاكمين ومحكومين. وهذا مطلب ما زال دونه الكثير من المعاناة..
لم يتبث في التاريخ أبدا أن نظاما ملكيا أو أي نظام آخر ديكتاتوري بطبيعته (مهما كان « متسامحا ») منح دستورا ديموقراطيا حقا وليس شكلا.. الشعوب هي التي تصنع ديموقراطياتها المناسبة حين تنتزع الحكم من زمام الأفراد لتضعه في أيدي الجماعة.
مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 12 commentaires

من تعقيدات تصريف فعل الثورة مغربيا

ظل فعل الثورة الحديثة يُصرَّفُ أعجميا ردحا طويلا حتى بداية الألفية الميلادية الثالثة حيث عشنا ورأيناه (فعل الثورة) يُصرَّفُ عربيا.. فأخيرا استيقظ الناس في هذه الرقعة الموؤودة حضاريا وقرروا التحول إلى أمم تصنع قدرها بعدما كانت تصنعه لها القوى الخارجية مدعومة بأنظمة الحكم المحلية القهرية.
صحيح إن الأوان لم يحن بعد للحسم في مآل ما تمور به البنيات الاجتماعية العربية، التي أخذت تلفظ أنظمة الحكم القمعية القهرية تباعا، ذلك لأن شرط نجاح الثورة بمعناها الحديث لا يقوم على خصيصة الرفض الاجتماعي، على أهميته، بل على قدرة قوى حية سياسية واقتصادية واجتماعية على إنتاج شروط الدولة والمجتمع الديموقراطيين.. وما يزيد هذه الشروط تعقيدا أنها تُزامن محيطا دوليا تُشَكِّلُ فيه التنافسية غير المتكافئة عقبة كبيرة للإمساك بزمام تقرير المصير الحضاري، ذلك لأن الثورة لا تقف عند سقف رفض القهر بل إنتاج أسباب التحرر السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني.. وبالتالي هذا السؤال: هل ستنجح البلدان العربية حيث قامت وتقوم الثورة، في إقامة أسس وبنيات الدولة والمجتمع الديموقراطيين التي بدونهما لا يُمكن الحديث عن أهلية عربية بين القوى  الأممية الديموقراطية؟ السؤال سابق لأوانه، بيد أن الأهم تحقق بأكبر خطوة في درب الألف ميل، نحو التحرر السياسي والإقتصادي والاجتماعي ونعني به الإطاحة بالاستبداد أم كل الشرور (بتعبير عبد الرحمان الكواكبي) كما تم لحد الآن في كل من تونس ومصر والحبل على الجرار.

مغربيا ما زال دون خطوة الإنتهاء مع الإستبداد الكثير من العراقيل الكأداء، ومنها أن مكونات الدولة والمجتمع لم يأتها حديث الثورة فتأخذه من حيث يجب.. نعم تنادى شباب حركة 20 فبراير إلى مسيرات في المدن المغربية للمطالبة بالتغيير وإنهاء الاستبداد.. بل وحتى المطالبة بإسقاط النظام (تأسيا بما وقع ويقع في دول الجوار الإقليمي والعربي) لكن يبدو أن هذه الأصوات الشبابية لم تصل بعد إلى الغور المطلوب.. كيف ولماذا؟
كان مُلفتا في تونس ومصر خلال الأيام الأولى لاندلاع الثورة أن تلتحق جحافل أصحاب مِهن الطبقة المتوسطة من محامين ومهندسين وأطباء وصحافيين.. بشباب الثورة للمطالبة بتغيير النظام وليس للإحتجاج، مثلا، ضد وزيرة صحة لا تملك من أمر الصحة في بلد المخزن والغاشي إلاَّ ما يُملى عليها، كما فعل أطباء مغاربة، أو كما يفعل المعطلون الشباب عندنا، اللذين ركبوا هذا المد الثوري العربي وكثفوا من مظاهراتهم للحصول على مناصب شغل في القطاع العام، ثم ليركنوا لسكون الأموات/الأحياء إذا ما نالوا بغيتهم.. فمتى كانت الحرية إسقاط امتحان ولوج مباشر لمهنة بالنسبة للأطباء أوشغلا بالنسبة للمعطلين؟ صحيح إن مطالب من هذا القبيل حق أساسي لكنها لا تُفضي إلى الديموقراطية والحرية بل قد تعني أغلال جديدة مكان القديمة.. وهو موقف تصدق عليه النكتة القائلة: سأل مواطن أمريكي مغربيا « ما هي أحلامك في الحياة؟ » ليجيبه « أن أحصل على شغل وأتزوج وأنجب » ليعلق الأمريكي « سألتك عن أحلامك وليس حقوقك ».
المخزن الملكي لم يصنع فحسب « محظوظيه » وقوامهم بورجوازييه اللذين يهش عليهم ب « تقويمه الضريبي » بل صنع أيضا بروليتارييه وفقرائه.. كيف ذلك؟ ببساطة لأنه أنتج شروط حياتهم في مدن وقرى وبنية إنتاجية « مُناسبة » ومؤسسات أمنية وإدارية.. إلخ أفلحت في « تفئيرهم » (من الفأر) وبذلك تحكم في شروط التغيير وأبقاها عنده.. فمصدر التشريع والتتنفيذ والتمويل معه والباقي كالحكومة والبرلمان والمجالس.. إلخ تفيض منه أو تفضل عنه.

كان ملفتا أيضا مغربيا، أنه غِبَّ هبوب نسائم الثورة اتجاه ربوع بلاد المخزن والغاشي، أن الأحزاب الرسمية ملكيا ومخزنيا اتخذت مواقف رافضة بل وتحقيرية سافرة من حركة شباب 20 فبراير، إذ هناك من قادة تلك الأحزاب مثل عبد الاه بنكيران مَن ذهب إلى حد نعتهم بالشواذ وأكلة رمضان، وأُوتي ويُأتى بقادة تلك الأحزاب إلى وسائل الإعلام العمومي ليقولوا في شباب الحركة ما لم يقله مالك في الخمر.. نعم إن لهذه القاعدة استثناءات وهي قليلة جدا تُحسب على رؤوس أصابع اليد الواحدة، حيث تعففت بعض الشخصيات السياسية المحترمة من كيل الشتم والرفض للمعنيين والمعنيات.. لكنها أصوات على أهميتها ضاعت للأسف وسط هذا الضجيج الملوث.
وماذا عن رجالات ونساء المال والأعمال؟ إنهم غير معنيين بما يحدث فهم مشغولون باستثماراتهم « المتشابكة » مع مصالح المخزن الملكي.. وبالتالي مصلحتهم من مصلحته. وإذا حدث و « خرجت رجل أحدهم من الشواري » كما حدث مع باطرون « ريشبوند » كريم التازي الذي زوَّد بضعة شباب حركة 20 فبراير بأجهزة حواسيب وأدى فاتورة دستة من اللافتات التي انتقاها هو بعناية، فسرعان ما تهش عليه عصا المخزن الملكي في شكل « تقويم ضريبي ».. ومعنى هذا أن لا أحد من رجالات ونساء المال والأعمال المغاربة (الكبار تحديدا) لذيه سجل ضريبي نظيف. وهذه آفة حقيقية استعملها المخزني الملكي مبكرا لإخصاء الثروة حتى لا تنجب الثورة.
والمثقفون؟ غالبيتم كانوا دائما مشغولين بإنتاج الكلام « العالم » المتعالي وأفئدتهم مشدودة إلى صُرَّة المخزن الملكي النقدية الشحيحة من البخل « المدروس » وليس الفقر.. أوه صحيح لقد باض ثلة قليلة منهم مؤخرا « بيانا من أجل الديموقراطية » ضاعت كلماته الفضفاضة في حرص شديد على مصالح زهيدة من قبيل أجور متحصلة وامتيازات بئيسة.
وعامة الناس أي الشعب؟ إنه البعبع النائم الذي يتحدث الجميع باسمه لكنه غير معني بهؤلاء ولا أولئك.. إنه يعي فقط ما يلمسه ويراه، ويتفاعل مع الشروط الدنيا التي تُمنح له، كأن يفرح بصخب لانتصار عابر في مباراة لكرة القدم و « يتعايش » مع مؤثاث صعبة للحياة لأنه لا يتوفر على وسائل تغييرها وليس رفضها « الصامت » فحسب.. ومع ذلك فإنه يظل لغزا لا أحد يدري متى تنفك طلاسمه فيرفض قدره ليُنتج الأسوأ أو الأفضل.
  المغاربة شعب محافظ ومسألة التغيير بمعناه الحضاري الحديث تبدأ على مستوى القِيم.. فالتغيير أو الثورة بمعنييهما الإيجابي يظلان قيمة مضافة سياسيا واقتصاديا وثقافيا. النظام السياسي يعي هذا الشرط لذا فلن يكون أبدا أول مَنْ ينزع الغطاء عن القِدر بل سيتركها تغلي بتناقضاتها ويغذيها حسب شطارته المكتسبة بالتجربة.. ولحد الآن فإن العملية ناجحة لكنها غير مضمونة النتائج.. ما همَّ فلكل حادث حديث.
القُدوة الثورية في أقصى سقفها ماثلة للعيان إقليميا وعربيا غير أن تصريفها مغربيا سيظل دونه تعقيدات كثيرة، والسباق قائم على مَن يتوفر على النَّفس الطويل: نظام المخزن الملكي أم محكوميه.. الأول يُنتج شروط وجود الثاني لكنها (الشروط) موضوعة على مِحك الصلاحية أكثر من أي وقت مضى.
مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 4 commentaires

كان الله في عون المخزن الملكي!

هكذا إذن تركت قوات الأمن المغربية بمختلف أشكالها و « تخصصاتها » (بما فيها فرقة الصقور التي قتلت الشهيد كمال عماري) شباب 20 فبراير يتظاهرون في ثمانين مدينة مغربية يوم الأحد الماضي خامس يونيو دون أن يقع ما يبرر تفريقهم باستعمال العنف المفرط.. قال الشباب ومعهم الآلاف ما يحلمون به لمغرب المستقبل ثم طووا لافتاتهم وأوقفوا حناجرهم وعادوا إلى أحوال سبلهم.. وهذا أضعف الإيمان في بلد اتسع فيه رقع الظلم والقهر والفقر على راقع مشهد سياسي ينقصه الكثير ليكون أهلا لقيادة مصير زهاء 40 مليون مغربية ومغربي.

ففجأة انتبه المخزن الملكي إلى أصوات التنديد من مؤسسات غربية وعلى رأسها الإتحاد الأوروبي، طالبته بصرامة باحترام حق التظاهر السلمي لشابات وشباب المغرب.. لتعود الهراوات المطاطية والقبضات المزمومة المتشنجة إلى أغمادها، وتُبتلع ألسنة الشتم والسب والتهديد بأقذع الألفاظ و مرَّ كل شيء بسلام ليتأكد أن الأمن الحقيقي في عالم اليوم، سواء في بلاد المخزن والغاشي أو سورينام هو فكرة وليس زرواطة.

ليس من شك أنه ليس لدى المخزن فكرة من هذا القبيل، لأنها تعني فيما تعنيه توفير الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي وسائر أبناء وبنات الديمقراطية الحقة.. وهذه ضرورات يستحيل توفرها في بلد نظامه ملكي فردي أوليغارشي، حيث يُشكل الولاء لفرد واحد أسَّ النظام برمته، وعدا ذلك ولو كان الشعب بأسره ليس سوى تفاصيل « تُعالج » بانتصار في مُباراة عابرة لكرة منفوخة بالهواء أو.. الزرواطة في أحلك اللحظات.

يجب أن نفهم، أو بالأحرى أن نتفهم موقف المخزن الملكي (كان الله في عونه) في هذه الظروف المحلية والإقليمية الحرجة، فهو درج منذ مئات السنين على فعل ما يراه مُناسبا للبلاد والعباد ولو كان مجرد « تخربيق » أورد ماضي ويورد حاضر ومستقبل البلد التهلكة.. اليوم أصبحت مسؤولية سوء التدبير تُعزى لقمة هرم السلطة بالبلاد تأسيا بما وقع ويقع في بلدان تُشبهنا ونشبهنا.. حماقات السلطة والتسلط طردت « زين العابدين بنعلي » وزوجته ليلى الطرابلسي من قصر قرطاج للأبد.. وهو المصير نفسه الذي آل إليه « محمد حسني مبارك » وزوجته سوزان ثابت والسبيل نفسه مفتوح في وجوه طغاة آخرين في مقدمتهم العقيد القذافي وطبيب العيون بشار الأسد والرئيس اليمني (الغير) صالح.. ولا عاصم للباقين من طوفان الثورة.

لأول مرة في المغرب رُفعت لافتات وشعارات في أكثر من مدينة، طالبت برحيل النظام وهو ما يفسر العنف المفرط في حق شباب حركة 20 فبراير، ولا غرابة في ذلك لأن نظام المخزن الملكي كان قد ركن دهرا طال إلى أنه ليس في البلد مَن يشكك في النظام الملكي فأحرى أن يُطالب برحيله ففي عرفه إنها قمة الوقاحة و « الدسارة » وهذه وتلك « تُعالجان » بشيء واحد: الزرواطة.

كيف لا وبلاد المخزن والغاشي رست على مشهد سياسي واقتصادي واجتماعي.. وكل ما يأهل الأرض والبحر بل ويحلق في السماء يُحوقل بإجماع حول الملك والملكية.. لم يكن هناك مَن يُنازع المخزن الملكي في شرعيته وبالتالي كانت المُفاجأة أشبه بسكب دلو ماء بارد على وجه نائم حالم.

صحيح لقد كانت نُدُر واقع جديد تأتي خببا من انهيار أنظمة قهر وفقر « شقيقة » قريبة لكن خصيصة « الاستثناء » ظلت درعا لا يأتيه الوهن من خلفه أو من أمامه فما بالك بشباب ليس لهم من زاد سوى حلم ببلد أفضل يكفل لهم الحرية والكرامة.. وبما أنهم انتبهوا إلى أن ذلك لن يتأتى دون تنظيم ديمقراطي لشؤون الدولة والمجتمع فقد أشاروا لموطن الداء مُباشرة: هيمنة المخزن الملكي على البشر والشجر والحجر.. فكان الاصطدام.

المخزن الملكي الذي ألف أن يكون الكل في الكل ليس مُستعدا لأن يتنازل عن قُلامة ظفر من سلطاته المطلقة، وإذا فعل ذلك فلن يكون سوى مُناورة لربح وقت يراه ثمينا في حين هو سراب ماء كما يبدو لمُغامر غر في الصحراء. هل من أدلة؟ طبعا طبعا..
في يوم تاسع مارس الماضي خرج المخزن الملكي بخطاب حول إصلاح دستوري « عميق وواسع » بتعبير مَن هللوا له، أفاد فيما أفاد أن المغرب سيتزود بنص تدبير لشؤون الدولة والمجتمع  بحكومة تنفيذية حقا وليس شكلا فحسب كما كان عليه الأمر منذ دستور نونبر 1962، لكن وقبل أن تكتحل أعين المهللين و « المتشائمين » والمعتدلين.. بالنص الدستوري الجديد طلع المخزن الملكي منذ يومين بواحدة من « مبادراته » تمثلت في مشروع تمويل للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بغلاف مالي قدره سبعة ملايير درهم على مدى خماسي (2011-2015).. كما سبق لمستشار الملك محمد معتصم أن « بشَّر » الأحزاب بإرادة ملكية (وهذه لا راد لها في بلاد المخزن والغاشي) بقرار تنظيم انتخابات سابقة لأوانها في شهر أكتوبر القادم. فماذا يعني هذا وذاك؟ يعني فيما يعنيه أن تدبير ورش مُجتمعي بملايير الدراهم هنا وهناك سيظل شأنا من اختصاص المخزن الملكي، تماما كما توقيت إجراء الانتخابات أو تعليقها.. إلخ. فما الجديد إذن الذي سيأتي به إصلاح دستوري « عميق وواسع »؟ بِضع كلمات رنانة تعني كل شيء ولا شيء في نفس الوقت.

لسوء حظ كل شعوب الأرض قديما وحديثا التي عانت من قهر وجبروت أنظمة الحكم الفردية بشتى أشكالها وتلاوينها، أن تغييرا لدفة قيادة بلدانهم من قبضة شخص أو جماعة مُستحوذة، لم ولن يتم طوعا بل قسرا وسالت في سبيله الدماء.. وشرط الشروط كان دائما أن يكون الشعب قد تأهل لحكم نفسه بنفسه..
المخزن الملكي لن يشذ عن قاعدة أنظمة الحكم الفردية المُشابهة له، هو يعتقد جازما أن المغاربة ما زالوا غير مؤهلين لتدبير شؤونهم بأنفسهم عبر آليات التسيير الديمقراطية المعروفة كونيا.. وأنهم سيحتاجون إليه (المخزن الملكي) دائما ليهش عليهم بعصاه ويسوسهم كما يريد أو ينزل بها على أمهات رؤوسهم حينما يتململون. ليس في جعبة المخزن الملكي غير هذه « الوصفة » الفردية الأحادية أما المجتمع فهو متعدد وبالتالي وصفته جماعية.. المشكلة أن وصفة المخزن الملكي « مُؤجرأة » أي تسري في بلاد المخزن والغاشي أما وصفة المجتمع فما زالت مُفترضة.
مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 7 commentaires

حسابات تفجير مقهى أركَانة

في البداية أسارع (وليس من التسرع، بالنظر إلى الهامش الزمني المُريح نسبيا الذي يفصلنا عن الحدث) إلى القول أن الإشارة بأصابع الإتهام لجهة محددة، سواء كانت أطرافا مخابراتية داخلية أو خارجية، أو جماعات أصولية متطرفة، بصدد تفجير مراكش الوحشي الإجرامي، ليس من عمل العقل الذي يزن الأمور قبل وضعها في مكانها المناسب، كيف؟

لا نتوفر لحد الآن سوى على نُتف معطيات مصادرها مُتباينة، هناك من جانب نتائج التحقيقات الأولية للسلطات الأمنية « المرفودة » بالخبرة الأجنبية (الفرنسية والإسبانية) التي « منحتنا » متهما ببروفايل « مهزوز » المستفاد منه أن الأمر يتعلق بهاوي إرهاب أقدم على ذلك العمل الإرهابي الممعن في الوحشية، لا لشىء سوى ليُقنع أخطبوط تنظيم القاعدة أنه آهل للإنتساب إليه، وهي « رواية » ولو أسفر عنها تحقيق متخصص تحتاج إلى « تفريغ » ذهني شاق لابتلاعها.. إذ كيف يستقيم إلباس حيثيات تفجير إرهابي « محترف » جبة الهواية؟.. وأولى الفرضيات القوية ضمن هذا السياق، أنه لا محيد عن خلفية « محترفة » لتنفيذ هكذا تفجير برسائل متعددة لأكثر من جهة داخلية وخارجية، فهل ذهبت التحقيقات مع المتهم المُعلن إلى هكذا أبعاد جدية، أم تم الإقتصار على مُعطيات بروفايل الإرهابي الهاوي « المُريحة »؟

المصادر الأخرى تمثلت في تنظيم القاعدة وفرعه ببلاد المغرب الإسلامي، اللذان نفيا صلتهما بتفجير مقهى « أركَانة » وهذا مُعطى في غاية الأهمية، بالنظر إلى نُدرة مُعطيات النفي من المصدرين المذكورين في مثل هكذا مُناسبات، وهو ما يشي بالخطورة المُستوعبة من لدنهما لالتصاق تهمة من هذا القبيل بهما، وخدمتها لأطراف معينة داخلية وخارجية.
لا محيد إذن عن القول، أن هوية رب جريمة تفجير مراكش ستظل مجهولة حتى حين، وربما إلى لأبد، وهي اليافطة نفسها، للغرابة، التي وُضعت على تفجيرات 16 ماي 2003، وللتذكير فإنه بعد مُضي ثمان سنوات بالتمام والكمال، لم يتم إعلان نتائج تحقيقات تفجيرات الدار البيضاء، ولا تحديد الجهة المسؤولة عنها، بالمُقابل فإن تداعياتها الحقوقية والقضائية والأمنية شكلت منعطفا حاسما ل « ترتيب » مغرب ما بعدها (تفجيرات 16 ماي) في شتى المجالات الأساسية، حيث اتُّخذت ذريعة لوضع القبضة الأمنية وتشديدها على البلاد والعباد، بواسطة قانون الإرهاب.

و « للمصافة » العجيبة الغريبة، فإن حسابات 16 ماي كانت قد أعقبت أيضا نقاشا حول الحريات العامة والدمقرطة، نذكر منها مناقشة مشروع قانون جديد للصحافة، وحركية برلمانية وصلت إلى حد تلويح حزب العدالة والتنمية بنزع الثقة عن الحكومة سنة 2002.. لينحدر مؤشر هذه الحركية إلى نقطة الصفر مع تفجيرات 16 ماي.. وبنفس « المصادفة » نجد أن النقاش العمومي حول الإصلاح السياسي بالبلاد، ما قبل تفجيرات مقهى « أركَانة » في تزامن مع الزلزال الثوري الإقليمي، اتخذ أبعادا غير مُتحكم فيها (وهذه خصيصة نادرة في بلاد المخزن والغاشي) إذ فجأة بدأ الحديث عن الإختصاصات الدستورية للملك والملكية البرلمانية، ليس في بضعة صحف مستقلة، بل في قنوات التلفزة العمومية، وبأسرع من هذه الفجائية « نزلت » صاعقة تفجيرات مقهى « أركَانة » لتُعيد الأمور إلى نقطة الصفر، ليُصار إلى « نقاش » آخر حول الإرهاب وتداعياته والسبل الأمنية لمواجهته، و « دعم » جهود جهاز المخابرات « ديستي » أساسا، كما حدث ذلك مثلا في آخر حلقة من برنامج « حوار » بالقناة الأولى.. إلخ.

لا يُمكن أن نمر مر الكرام على نقطة واحدة إيجابية، في تعاطي الدولة المخزنية مع حدث تفجير مقهى « أركَانة » وتمثلت في عدم ارتكاب غلطة اليد الأمنية الثقيلة، كما وقع بعد تفجيرات 16 ماي، فحسب المُعطيات المتوفرة لم يتم اعتقال زهاء ثلاثة آلاف من « المشتبه » فيهم، وحشرهم في مُعتقلات سرية رهيبة مثل ذاك الذي في مدينة « تمارة » والتنكيل بهم كما في عهود الوحشية البشرية والحيوانية الغابرة. بل تم الإقتصار على التحقيق مع متهمين يُعدون على رؤوس أصابع اليد الواحدة، أُطلق سراحهم فيما بعد، لقد تعلمت الدولة المخزنية من خطأ قاتل وَسَمَ الدولة والمجتمع إلى الأبد، ويا لفداحة ثمن مثل هكذا تعلم.

غابت إذن الحسابات الأمنية ما بعد تفجير مقهى « أركَانة » وحضرت بشكل سافر حسابات السياسة.. ومنها (الحسابات) فرملة النزوعات الإصلاحية والتقليل من شأنها، مُقابل إلحاح على الجوانب المرتبطة بالتفجير المذكور، وكأننا بالدولة المخزنية تريد أن تضع أولوياتها المخزنية الضيقة وليس أولويات الإصلاح المفتوحة. وبالتالي هذه الفرضية: هل يتعلق الأمر بحدث مُفجع ومؤلم، مما يصح فيه المثل « ورب ضارة نافعة » اتخذته الدولة المخزنية وسيلة لإبطاء عجلة مطالب التغيير إلى حين؟ أي حين؟ إلى أن « تبرد » مراجل الثورة العربية، وبالتالي يتسنى ترتيب البيت حسب المُشتهى فرديا وليس المطلوب مُجتمعيا.

إذا تأكد ذلك من خلال نتائج الأجندات المطروحة سياسيا (تعديل الدستور أساسا) فلن نبرح ذات الملعب الضيق الذي يميز الأنظمة الشمولية: ربح هامش من الوقت مهما كان ثمنه ونسبيته درءا لحدث جلل: الثورة التي تقلب كل شىء رأسا على عقب.

مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 9 commentaires

عن مُعتقل تمارة السري ومهرجان موازين

ما الذي يجمع بين مُعتقل تمارة السري ومهرجان موازين؟ لا شىء في الظاهر، لكن ثمة ما يجمعهما ضمن الأفق السياسي الضيق الذي يؤطر الشأن العام ببلادنا.

إنهما منذوران معا لنوعين من الإحتفال، الأول « احتفل » و « يحتفل » بفنون تعذيب مُعتقلين ساقهم سوء طالعهم، وشروط التدبير الشططية للبلاد والعباد، إلى الحلول « ضيوفا » على جلادي « العهد الجديد » منذ سنة 2003 وتحديدا بعد تفجيرات يوم الجمعة 16 ماي من نفس السنة، بل حتى قبلها أي منذ تفجيرات الحادي عشر من شتنبر سنة 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية.
أما الثاني ونعني به مهرجان « موازين » فمُهمته صنع الإحتفال بفن الموسيقى والغناء في تجلياتهما الراقية عربيا وعالميا.. كيف لا وضيوفه عبر كل دوراته، هم من أشهر الفنانين العرب والأجانب.

ما يجمع معتقل تمارة ومهرجان موازين أن كليهما من « مُنجزات » العشرية الأخيرة، حيثُ اختيرت تدابير مُعينة في السياسة والإقتصاد والأمن والفن.. إلخ لتكون معالم « تحول » من « العهد القديم » أو « البائد » كما درجت التسمية في المنتديات الرسمية وغير الرسمية، إلى آخر نُعت بأنه ل « لإستمرارية ».. استمرارية ماذا؟ هل التنكيل بالناس خارج ضوابط القانون، وهدر المال العام بلا حسيب ولا رقيب، وهي من « منجزات » العهد الذي يُنعت بالقديم أو البائد؟

وبينما اختير لمهرجان موازين أن يكون لحظات احتفال موسيقي وغنائي يشهده عموم الناس (منصات الهرجان دُكّت أوتادها الضخمة حتى في الأحياء الشعبية للعاصمة) جُعلت « احتفالات » معتقل تمارة سرية تدور « فقراتها » الرهيبة بين المُعتقلين وجلاديهم، برعاية كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين في البلاد.
وإذا كان طابع العلانية في مهرجان موازين على ذلك النحو من الشمولية والجماهيرية، فيما يخص فقراته الموسيقية الغنائية، فإنه يلتحق بمعتقل تمارة في طابع السرية فيما يرتبط بطرق تمويله وغلافه المالي وتدبيرها.. فعبر دوراته لم يتم أبدا الكشف عن مصادر غلاف مالي لا يشك أحد في ضخامته بالنظر إلى فداحة تكاليفه (يشهد عليها حضور ضيوف المهرجان من كبار الفنانين العالميين، اللذين لا يتحركون خطوة ضمن أجنداتهم السنوية المكتظة، دون أن يكون المُبرر « مُقنعا » أي مُجزيا).. يدفع البعض بحجة تمويل مُشهرة من خلال الملصقات الإشهارية مثل: لا رام، اتصالات المغرب، هذا البنك وذاك.. إلخ للقول أن التمويل ليس من المال العام، دون أن يلتفتوا إلى فضيحة علنية في هكذا مبرر، ذلك أن المؤسسات المذكورة هي مِلْك عمومي (عمومية أو شبه عمومية) ولو كان ذلك على مستوى الشكل، وبالتالي فإن أي فلس يُنفق من ميزانياتها فإن مصدره المواطن دافع الضرائب. ومهما يكن الأمر فإنه حسب تقديرات عارفين بجسامة تنظيم مهرجان من ضخامة وفخامة « موازين » لا يُمكن أن يتم دون اعتمادات مالية، تفوق بأضعاف أضعاف ما يُمكن استخلاصه من مؤسسات عمومية أو خاصة، تبقى ميزانياتها مشروطة بحسابات الربح والخسارة، وبالتالي تبقى أسئلة مصادر تمويل دورات مهرجان موازين مُشرئبة ومُحتفظة بكامل مشروعيتها.

إنه طابع السرية الذي يلتقي فيه كل من معتقل تمارة ومهرجان موازين.

فكما رفض الكاتب الخاص للملك محمد منير الماجيدي الذي يشرف على مهرجان موازين بتكليف من الملك محمد السادس، الكشف عن ميزانيات دورات مهرجان موازين، فعل نفس الشىء وزير الداخلية الطيب الشرقاوي بإنكاره وجود معتقل سري بمدينة « تمارة ».

يشترك الموضوعان (معتقل تمارة ومهرجان موازين) أيضا في خاصية التنكيل بكرامة وأموال هذا الشعب، من خلال « فنون » التعذيب في الأول و « فنون » هدر المال العام بالنسبة للثاني، فكلاهما يسومان سوء عذاب القهر والفقر.

إنهما إذن، مُكونان من أبرز مكونات دولة « السيبة الأمنية والمالية » حيث لا رقابة ولا محاسبة، على ما يفعله الحاكم بأمره في هذه البلاد، فالبشر مُعلق مصيره بشبهة مهما كانت ضئيلة، ليجد نفسه فريسة « مُناسبة » ل « فنون » التعذيب ب « لقراعي » و « الشيفون » و « الطيارة » وهلم « إبداعا ».. والمال العام طوع اليمين والشمال وكلما يصلح للإغتراف لإنفاقه بلا حساب « إكراما » لفن الموسيقى في أبدع تجلياتها العالمية.
*****

تنويه: حتى لا يُزايد علينا مُزايد، نؤكد أن تنظيم المهرجانات أمر مُحبذ بل ضروري في حياة كل مجتمع، شرط أن يتم ذلك ضمن ضوابط ديموقراطية، من شفاقية في المحاسبة والمراقبة، انطلاقا من مصدر الفكرة وتنفيذها وطرق تمويلها.. إلخ.

مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 3 commentaires

الملك بين نصوص « القداسة » وشتائم الأنترنيت

أُتابع كما غيري خلال هذه الأيام، كل الزخم الإعلامي (عبر الإنترنيت) الذي أتى غِبَّ الثورات المُباركة في أكثر من بلد عربي، ولا أُخفي أنني مُندهش بعض الشىء من جرعة الجرأة التي تمنطق بها شباب اليوتوب والفايسبوك وتويتر.. إلخ في تناول الشأن المغربي، وبالأخص منه نظام الحكم بالبلاد.

فهذا محمد عليوين ابن مدينة اليوسفية المُهاجر للديار الأمريكية، الذي أصبحت (خُطبُه) عبر موقع اليوتوب، تحظى بنِسب مُتابعة قياسية، لم يتورع في آخر شريط له من القول: للذين يسألونني ما إذا كُنتُ سأقبِّل يد محمد السادس لو التقيته، أُجيبهم لوحدث ذلك لبصقتُ عليه..
وآخر وصف الملك في شريط آخر بأنه « جرثومة ».. وثالث دعا في أشرطته إلى « ضرورة إسقاط الطاغوت محمد السادس ».. إلخ إلخ من الكلام المُنطلق من كل تحفط في مواجهة أعلى سلطة في المغرب بفرض من الدستور وقهر القوة.

ثمة لازمة مهمة في نظري بصدد هذا النوع من التعاطي (الإعلامي) الإنترينيتي وتتمثل في أن أصحاب (الخُطب) لا يتعمدون إخفاء وجوههم أوالتستر على هوياتهم، بل يُشهرونها كما هي: الوجه الظاهر والإفصاح عن الإسم واللقب.. مع العلم أن تواجد المعنيين في أمريكا أو هولندا أو بلجيكا.. لا يجعلهم في مأمن من اليد الطويلة لأجهزة الأمن السرية والعلنية للنظام المخزني.. ومع ذلك جازفوا.. كيف ولماذا؟

ما من شك أنه لم يكن ممكنا البثة تصور وجود متفوهين بمثل هكذا كلام جرىء، منذ بضعة أشهر خلت، إذ لولا « هذه اللحظة التاريخية » التي تمر منها المنطقة العربية، لظلت الألسنة في أفواه أصحابها.. إذا كان هذا صحيحا فلأنه لا يُعفي من طرح هذا السؤال الماكر بعض الشىء: تُرى لو أن المغرب والمغاربة كانوا ينعمون بالحرية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة.. وغيرها من منافع الديموقراطية الحقة، هل كانوا سيجرؤون على كيل كل هذا الكلام للنظام المغربي ورئيسه أي الملك؟

الجواب نجده في هذا السؤال الأمكر: لماذا لا يشتم بلجيكيون أو إسبان أو دانماركيون أو إنجليز.. ملوكهم بآقذع الشتائم، وإن فعل بعضهم ذلك فإنه يمر مر الكرام، دون أن يحظى بنسب متابعة واهتمام كبيرين، كما هو حاصل مع أشرطة الفيديو التي تشتم محمد السادس؟

طبعا لأن ملوك أوروبا أو ما تبقى منهم عقب عصر الثورات الغابر، ليسوا رُعاة لرعايا في حظيرة كما هو الحال في بلاد المخزن والغاشي.. هناك يمشي الملك بين الناس لشراء قطعة خبز من الفرن، ويشتغل أبناؤه لكسب قوتهم، وليس له كل هذا النفوذ السياسي والإقتصادي والأمني ووو.. أي كل معدات وعتاد الملكية التنفيذية المُطلقة التي لمحمد السادس، وبالتالي فهم -أي ملوك وملكات أوروبا- لا يخافون من نظرات وإشارات الإتهام.. أو يتضايقون من تحيات المُحبين والمعجبين. هناك الأمور واضحة ما للشعب (المسؤولية تتحملها حكومات مُنتخبة) للشعب، وما للملك (الأمور الرمزية من قبيل الإحترام والإشراف البروتوكولي على مناسبات شكلية) للملك.

وإن حدث وتضرر ملك أو ملكة في بلد أوروبي، من تهجم متهجم، أو تطاول صحيفة وما شابه على حياتهم الخاصة، أو سب وشتم.. فإنه يرفع دعوى قضائية في محكمة لا تحكم باسم الملك بل باسم الحق والقانون والعدالة، وبالتالي يقف كغيره من المُتقاضين لانتظار الإنصاف، إن كان مُستحقا، أو صرف المحكمة النظر، وتحمله – أي الملك – صوائر الدعوى إن كان مجذفا ومدعيا بغير وجه حق.

هكذا بكل بساطة..

في المغرب تقف جيوش النصوص من دستور وقانون الصحافة والأجهزة الأمنية السرية والعلنية بمختلف تخصصاتها… والقضاء والقضاة ووو… في خدمة الملك وأسرته إن اشّتَمَّ (من الشم) ما يُحيل على تلك العبارة ذات الطابع الألوهي في الدستور وهي: « شخص الملك مقدس » أو « المس بالإحترام الواجب للملك أو أحد أفراد الأسرة الملكية » في قانون الصحافة.. هناك حيث توجد العقوبات الحبسية التي قد تصل إلى خمس سنوات وعشرات ملايين الدراهم كغرامات، بما تنوء به أغنى الجرائد وأجلد الصحافيين.. (إن اشْتُمَّ ْذلك)  تتحرك ترسانات الجيوش إياها، ما ظهر منها وما بطن، لقهر المُخالفين (الصحافيين والصحافيات في الأغلب) يبدأ « الحفل » ب « تسخسيخات المُسخسخين » من مرحلة الإستنطاقات الماراطونية حتى إيداعك السجن.
حدث هذا مثلا منذ نحو ثلاث سنوات مع حكاية « مرض الملك » إذ سيق أزيد من عشرة صحافيين في استنطاقات وصلت الليل بالنهار، لا لشىء إلاَّ أن قالوا بهذا السؤال: « ما حقيقة روطافيروس الذي أُصيب به الملك؟ » وذلك في ركاب بلاغ رسمي من القصر قال بمرض الملك وحدد نوع الفيروس الذي أصابه، وعندما بحث الصحافيون في الأنترنيت عند الحاج « غوغل » أفادهم هذا الأخير أن من بين أعراض الإصابة بالفيروس المذكور الإسهال الشديد أي « صريصرة » فهل يُصاب شخص مقدس في الدستور وقانون الصحافة بهكذا مرض « مخجل » في الذهن العام؟

واضح أن الخطأ في تناول الموضوع لم يكن من اقتراف الصحافيين، بل من الجهة التي عممت الخبر أي القصر لغاية ما (قد تكون بسبب تبرير غياب الملك عن مناسبة حضور الدرس الحسني الأول رمضان ذلك العام، ويا له من تبرير غاية في الغباء).. وبدلا من أن يهضم الأغبياء غلطتهم، ساقوا أزيد من عشرة صحافيين إلى الإستنطاقات، وأحكام بالسجن وغرامات مالية بالملايين، بل وانتهت الجعجعة القيامية بوضع مدير جريدة في السجن وإرغامه على التباكي على مصيره كامرأة ثكلى، ورفعه طلبا للعفو الملكي مرتين.. ولم يُطلق سراحه حتى لم يبق له سوى بضعة أسابيع على استكمال العقوبة المحكوم عليه بها أي سنة واحدة.

إنها « الحُكَرة » التي تمنحها القوة المطلقة للأنظمة الشمولية: القانون ومختلف الأجهزة الأمنية والقضاء.. إلخ.

طيب اليوم لا يتعلق الأمر بطرح أسئلة حول « طبيعة مرض الملك » إن كان حساسية مقيمة أم إسهالا عابرا، بل بطبيعة حُكمه، ولم يبق الأمر حبيس بضع جرائد تطبع بضعة آلاف من النسخ، بل لعشرات المئات بل الآلاف، من المواطنين يستعملون مواقع اليوتوب والتويتر والفايسبوك.. إلخ، لذيهم ما حبُلت به المجرة الأنترنيتية من ملايين المُتلقين، وتخترق رسائلهم الصوتية المصورة كل الأبعاد الزمانية والمكانية.
حدث هذا التحول في ظرف زمني لا يتعدى الثلاث سنوات حينما دق ناقوس خطر الحرب الإعلامية القادمة شخص عُرف عبر وسائل الإعلام العالمية بأنه « روبن هود المغربي » ونعني به قناص تارجيست ومَن لا يعرفه.. دشن هذا الأخير في المغرب صحافة جديدة كل الجِدة، إنها صحافة المواطن المغربي التي انتشرت بُعيد ذلك في مظاهرات مدينة سيدي إفني وأماكن أخرى.. لقد أصبح الفِعل والوسيط الإعلامي أو التذييعي، لأول مرة، بيد المواطن وهذا تحول خطير بكل المقاييس، انفجر بكل عنفوانه كما عايننا مُندهشين في الثورات التونسية والمصرية والليبية واليمنية والسورية..

إنه تحول « جذري » لم ير منه المعبودون وعَبَدَتُهم شيئا، بالرغم من أن نُذره جاءتهم تباعا وبأوضح ما يكون.. ألا سُحقا للسلطة ووهم جبروتها الذي يُعمي الأبصار والبصائر.

اليوم تحول محمد عليوين ورشيد ومحمد.. وعشرات المغاربة إلى أصحاب خُطب يشتمون فيها الملك كما لو تعلق الأمر بشرب فنجان قهوة وإشراك عشرات الآلاف في « تذوقه » فماذا عسى النظام الملكي وقانونه وأجهزته الأمنية السرية والعلنية ومحاكمه وقضاته.. إلخ أن يفعلوه؟ أن يطلبوا من البيت الأبيض الأمريكي تسليمهم « محمد عليوين » أو من الحكومة الهولندية استعادة رشيد..؟ ليُجربوا ذلك وستأتيهم الأجوبة بإهانات متتابعة.

مرَّ حين من الدهر على النظام الملكي في المغرب، بالتحديد غداة وفاة الحسن الثاني، كان مُمكنا جدا اقتراف انتقال ديموقراطي حقيقي، وذلك بتخلي الملك تدريجيا عن السلط التنفيذية والتشريعية والإقتصادية لفائدة الشعب، بدلا من الإصرار على الإحتفاظ بها و « اللعب » بها كما لو كانت أداة تجزية الفراغ.. حينها كان نوع جديد من الصحافة قد ظهر، عالج « التغول » الملكي بشىء غير قليل من الإتزان والمِهنية.. فثارت ثائرة « وليدات » المخزن الجُدد، وشرعوا في كيل الحقد والمحق لتلك الصحافة وصحافييها، حتى أفنوها عن بكرة أبيها وشتتوا صحافييها شذر مضر..

في غمار ما كان يقع من حرب على تلك الصحافة وصحافييها، بدر هذا الرأي من كاتب هذه السطور: الملك وأصدقاؤه لا يُريدون صحافة مستقلة وصحافيين مُستقلين يُناقشونهم بأدب ومِهنية، سوف يجدون أنفسهم غدا أمام مَن يُناقشهم بما يستحقونه من عدم الإحترام.

مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 10 commentaires

لماذا لم تقع الثورة في المغرب؟

تغد حوافر الثورة في أكثر من قُطر عربي.. لِتَجُبَّ ما قبلها أو على الأقل لتصنع غذا أفضل من اليوم والأمس.. تفعل ذلك بغير قليل من التضحيات الجِسام تدفعها شعوب مثل مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا والبحرين.. مع هدف واضح لا غبار عليه: رحيل رأس النظام وباقي أطراف جسده الثقيل البشع.. ويبدو من خلال مسار تطور أحداث الثورة سيما في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، أن الإنتهاء مع الإستبداد والطغيان والقهر وسائر موبقات الديكتاتورية، ليست بالأمر الهين.. فبقدر تغلغل هكذا نظام في أوصال ونخاع الدولة والمُجتمع، يكون من الصعب جدا التخلص منه.. تلك من سُنن السياسة منذ بدء الخليقة. غير أن ما يُعتبر مهمّا للغاية، في الرقعة العربية منذ الأزل هو « هذه اللحظة التاريخية » التي لا يجود الزمن بمثلها عبر مساره المديد: ثورة المحكومين على حكامهم الطغاة.

إذا كان هذا هو حال أقطار عربية ركبت شعوبها تحدي كنس الديكتاتورية وأوساخها، فماذا يقع في بلاد المخزن والغاشي؟

تململ الناس في المغرب على وقع ما حدث في تونس ومصر وباقي رقعة الثورة العربية، وللوهلة الأولى بدا أن كل شىء سيسير بشكل طبيعي، أي أن يتوفر « الثائرون » المغاربة على ذات الإصرار في انتزاع مطالب دمقرطة البلاد، ولو أدى ذلك إلى المُطالبة برحيل رأس النظام أي الملك.. « يلا طلبتيها طلبها كبيرة » عسى أن تحصل على الأفضل.. بذلا من ذلك « تسللت » ثقافة أحزاب المخزن إلى مجموعة شباب 20 فبراير، بل وحتى أعوان المخزن من بوليس سري وعلني ، وبالتالي مسيرات « موسمية » من شهر لشهر (20 فبراير.. 20 مارس..) وجعلوها – المسيرات – مُناسبات استعراضية رُفعت خلالها شعارات « لطيفة » من قبيل « إسقاط الفساد » أو الدستور أو أشخاص من خُدام السلطان مثل سكرتير الملك الماجدي أو صديقه الحميم الهمة أو إلياس العماري وما شابه.. أما البضعة شباب اللذين رفعوا شعارات رحيل الملك في مراكش أو فاس فقد ضاع صوتهم وسط حناجر الأغلبية « الإصلاحية » والنتيجة أن لا شىء برح مكانه، و »برد الطرح » في ثلاجة مطالب « لطيفة » أعطت خطاب تاسع مارس، الذي جعل المخزن ورئيسه أي الملك، يحتفظ بكامل شروط تغيير بعض أصول لعبة الحُكم أو الإحتفاظ بها كما هي، وفجأة انقسم الناس بين مؤيد كليا أو جزئيا، أو مُعارض جزئيا أو نصفيا أو ثلثيا.. أو كليا.. ومعنى ذلك أنه لا تَصَوُّرَ لذى المحكومين، وأنه يكفي أن تُلقمهم حجرا أو سراب حجر فيتشثت انتباهم مثل قطيع تائه. وللمفارقة فبدلا من أن يُكثف المُتظاهرون ضغطهم على المخزن حتى تتحقق مطالبهم فإنهم نكصوا ليثرثروا في صالونات « الشات » بمواقع الشبكات الإجتماعية مثل « تويتر » و « فايسبوك » تاركين أجهزة المخزن الأمنية « تقنصهم » واحدا واحدا.. أو للجنة « الممنوني » تشتريهم بأبخس الأثمان.

إذن لماذا تبرد الأمور بسرعة في بلاد المخزن الغاشي، بينما تستعر في أقطار عربية أخرى؟ هل لأن نظام الحكم في المغرب أكثر ديموقراطية من غيره؟ أم لأن نسبة النمو فيه تتجاوز ما لذى باقي الأشقاء العرب؟ أم هناك أسباب أخرى يعسر تبيانها؟

بالنسبة ل »ديموقراطية » المخزن فإنها تظهر أكثر في ذبر الأصولي « بوشتى الشارف » الذي كسروا فيه قنينة زجاجية بمعتقل « تمارة » السري الرهيب، أما عن نِسبة النمو الإقتصادي والإجتماعي فثمة أرقام المؤسسات الدولية المُختصة، ومنها « بنود » بل وحتى أرقام مندوبية « أحمد لحليمي » تُفيد أننا في ذيل قائمة الدول العربية، حيث لا « نتفوق » سوى على دول عربية وإفريقية شديدة الفقر، مثل السودان واليمن ودجيبوتي والصومال و إثيوبيا وأوغاندا.. أما بلدان عربية اشتعلت وتشتعل فيها الثورة لإسقاط أنظمة الحكم مثل تونس ومصر والبحرين وليبيا وسوريا.. فتتجاوزنا في هذا المضمار بما لا يُقاس ويُقارن.

فماذا تُراه يكون سبب هذا « البرود الثوري » لذى المغاربة؟

كدأبي في الإجابة على هكذا نوع من الأسئلة الإشكالية، أدع لكل مَن يقرأ هذه الكلمات أن يُقدم الجواب أو التفسير الذي يُناسبه، وأقدم ذاك الذي يخصني.

ثمة رواية تاريخية قديمة عن منطقة المغرب الأقصى تُفيد أنه في فترة الإستعمار الروماني لجل الرقعة المتوسطية، بغرض توسيع النفوذ التجاري للإمبراطورية الرومانية، ثارت ثائرة جل الشعوب المُستعمرة، وسال البحر المتوسط وأنهار البلدان المُستعمرة دماء، ما عدا رُقع قليلة من بينها منطقة المغرب الأقصى.. أما في مرحلة الإستعمار الحديث فكان المغاربة من أكثر الشعوب « تعاونا » مع المستعمرين.. وأكبر دليل على ذلك أن الإستقلال كان منقوصا.. حيث تم استبعاد خيارات المُقاومين الحقيقيين لفائدة العملاء المُتعاونين.. وبالتالي تم الإحتفاظ بجهاز المخزن قويا، كما صنعه وقواه الماريشال ليوطي، وباقي المُقيمين العامين الفرنسيين.
وفي مرحلة ما بعد الإستقلال، كان من السهل جدا على ملك طاغية مثل الحسن الثاني أن « يُطوع » الشعب ونُخبته، لدرجة أنه أرسل خيرة أبناء الشعب على مدى أربعة عقود تقريبا إلى أحقر السجون والمصائر دون أن يُحرك المغاربة ساكنا..
صحيح لقد كانت هناك محطات انتفض فيها الشعب المغربي، مثل تلك التي تم قمعها بشكل دموي، كما حدث خلال انتفاضة الريف  سنة 1958 أو الدار البيضاء يوم 23 مارس 1965 أو في الشمال سنة 1984 أو في فاس سنة 1990 ألخ. لكن للغرابة فإن تلك المحطات الثورية كانت دائما مناسبات « جيدة » للنظام المخزني، كي يعزز سطوته على البلاد والعباد، كما لاحظ السوسيولوجي المغربي حسن رشيق. كما كانت أيضا فُرصا « مُعتبرة » للنخبة السياسية المغربية لتجني مكاسب مادية من مائدة النظام (مثلا بعد 1990 وملتمس الرقابة في البرلمان، جاءت مُفاوضات المخزن مع أحزاب الكتلة ليتمخض الجبل عن فأر تجربة التناوب ربيع سنة 1998)..

اليوم ليس هو الأمس.. لكن في الحياة كما السياسة يشد الماضي بناصية الحاضر ويرهن المُستقبل.. وفي مغرب اليوم ليس سوى ذات الشعب الذي ألف أن يبوس الأيدي ويمنح بقشيش الرشوة لينال أبسط حقوقه.. والنخبة سليلة ذات الثقافة، فهمت اللعبة فعاثت في هذا الشعب الخَنُوع استعبادا، يستوي في ذلك « اليساري » واليميني ناهيك عن المخزني العتيد.. لذا يُمكن وضع هذا التيه السياسي في بلاد المخزن والغاشي، ضمن هذا السياق من الضعف الذاتي.. وقد لا يُجازف المرء كثيرا إذا ما قال أن النظام المخزني، على شراسته ونهمه وحرصه على السلطة المُطلقة، قد يكون أشد خوفا من محكوميه، لدرجة الرغبة في التنازل عن صلاحيات تدبير الشأن العام، التي تُدينه وسط هذا المناخ الثوري العربي، لكنه لا يجد مُطالبين مِلحاحين (إن الله يحب العبد المِلحاح) جديرين بها.. بمعنى لا وجود لطالبي حق، فما العمل؟

جوابي: الموتى سيستيقظون في قبورهم، ليطالبوا بحقهم في التمتع بحياة أبدية هادئة لا يُزعجها ضجيج أحياء أكثر منهم موتا.

مصطفى حيران

Publié dans Uncategorized | 5 commentaires