الملك بين نصوص “القداسة” وشتائم الأنترنيت

أُتابع كما غيري خلال هذه الأيام، كل الزخم الإعلامي (عبر الإنترنيت) الذي أتى غِبَّ الثورات المُباركة في أكثر من بلد عربي، ولا أُخفي أنني مُندهش بعض الشىء من جرعة الجرأة التي تمنطق بها شباب اليوتوب والفايسبوك وتويتر.. إلخ في تناول الشأن المغربي، وبالأخص منه نظام الحكم بالبلاد.

فهذا محمد عليوين ابن مدينة اليوسفية المُهاجر للديار الأمريكية، الذي أصبحت (خُطبُه) عبر موقع اليوتوب، تحظى بنِسب مُتابعة قياسية، لم يتورع في آخر شريط له من القول: للذين يسألونني ما إذا كُنتُ سأقبِّل يد محمد السادس لو التقيته، أُجيبهم لوحدث ذلك لبصقتُ عليه..
وآخر وصف الملك في شريط آخر بأنه “جرثومة”.. وثالث دعا في أشرطته إلى “ضرورة إسقاط الطاغوت محمد السادس”.. إلخ إلخ من الكلام المُنطلق من كل تحفط في مواجهة أعلى سلطة في المغرب بفرض من الدستور وقهر القوة.

ثمة لازمة مهمة في نظري بصدد هذا النوع من التعاطي (الإعلامي) الإنترينيتي وتتمثل في أن أصحاب (الخُطب) لا يتعمدون إخفاء وجوههم أوالتستر على هوياتهم، بل يُشهرونها كما هي: الوجه الظاهر والإفصاح عن الإسم واللقب.. مع العلم أن تواجد المعنيين في أمريكا أو هولندا أو بلجيكا.. لا يجعلهم في مأمن من اليد الطويلة لأجهزة الأمن السرية والعلنية للنظام المخزني.. ومع ذلك جازفوا.. كيف ولماذا؟

ما من شك أنه لم يكن ممكنا البثة تصور وجود متفوهين بمثل هكذا كلام جرىء، منذ بضعة أشهر خلت، إذ لولا “هذه اللحظة التاريخية” التي تمر منها المنطقة العربية، لظلت الألسنة في أفواه أصحابها.. إذا كان هذا صحيحا فلأنه لا يُعفي من طرح هذا السؤال الماكر بعض الشىء: تُرى لو أن المغرب والمغاربة كانوا ينعمون بالحرية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة.. وغيرها من منافع الديموقراطية الحقة، هل كانوا سيجرؤون على كيل كل هذا الكلام للنظام المغربي ورئيسه أي الملك؟

الجواب نجده في هذا السؤال الأمكر: لماذا لا يشتم بلجيكيون أو إسبان أو دانماركيون أو إنجليز.. ملوكهم بآقذع الشتائم، وإن فعل بعضهم ذلك فإنه يمر مر الكرام، دون أن يحظى بنسب متابعة واهتمام كبيرين، كما هو حاصل مع أشرطة الفيديو التي تشتم محمد السادس؟

طبعا لأن ملوك أوروبا أو ما تبقى منهم عقب عصر الثورات الغابر، ليسوا رُعاة لرعايا في حظيرة كما هو الحال في بلاد المخزن والغاشي.. هناك يمشي الملك بين الناس لشراء قطعة خبز من الفرن، ويشتغل أبناؤه لكسب قوتهم، وليس له كل هذا النفوذ السياسي والإقتصادي والأمني ووو.. أي كل معدات وعتاد الملكية التنفيذية المُطلقة التي لمحمد السادس، وبالتالي فهم -أي ملوك وملكات أوروبا- لا يخافون من نظرات وإشارات الإتهام.. أو يتضايقون من تحيات المُحبين والمعجبين. هناك الأمور واضحة ما للشعب (المسؤولية تتحملها حكومات مُنتخبة) للشعب، وما للملك (الأمور الرمزية من قبيل الإحترام والإشراف البروتوكولي على مناسبات شكلية) للملك.

وإن حدث وتضرر ملك أو ملكة في بلد أوروبي، من تهجم متهجم، أو تطاول صحيفة وما شابه على حياتهم الخاصة، أو سب وشتم.. فإنه يرفع دعوى قضائية في محكمة لا تحكم باسم الملك بل باسم الحق والقانون والعدالة، وبالتالي يقف كغيره من المُتقاضين لانتظار الإنصاف، إن كان مُستحقا، أو صرف المحكمة النظر، وتحمله – أي الملك – صوائر الدعوى إن كان مجذفا ومدعيا بغير وجه حق.

هكذا بكل بساطة..

في المغرب تقف جيوش النصوص من دستور وقانون الصحافة والأجهزة الأمنية السرية والعلنية بمختلف تخصصاتها… والقضاء والقضاة ووو… في خدمة الملك وأسرته إن اشّتَمَّ (من الشم) ما يُحيل على تلك العبارة ذات الطابع الألوهي في الدستور وهي: “شخص الملك مقدس” أو “المس بالإحترام الواجب للملك أو أحد أفراد الأسرة الملكية” في قانون الصحافة.. هناك حيث توجد العقوبات الحبسية التي قد تصل إلى خمس سنوات وعشرات ملايين الدراهم كغرامات، بما تنوء به أغنى الجرائد وأجلد الصحافيين.. (إن اشْتُمَّ ْذلك)  تتحرك ترسانات الجيوش إياها، ما ظهر منها وما بطن، لقهر المُخالفين (الصحافيين والصحافيات في الأغلب) يبدأ “الحفل” ب “تسخسيخات المُسخسخين” من مرحلة الإستنطاقات الماراطونية حتى إيداعك السجن.
حدث هذا مثلا منذ نحو ثلاث سنوات مع حكاية “مرض الملك” إذ سيق أزيد من عشرة صحافيين في استنطاقات وصلت الليل بالنهار، لا لشىء إلاَّ أن قالوا بهذا السؤال: “ما حقيقة روطافيروس الذي أُصيب به الملك؟” وذلك في ركاب بلاغ رسمي من القصر قال بمرض الملك وحدد نوع الفيروس الذي أصابه، وعندما بحث الصحافيون في الأنترنيت عند الحاج “غوغل” أفادهم هذا الأخير أن من بين أعراض الإصابة بالفيروس المذكور الإسهال الشديد أي “صريصرة” فهل يُصاب شخص مقدس في الدستور وقانون الصحافة بهكذا مرض “مخجل” في الذهن العام؟

واضح أن الخطأ في تناول الموضوع لم يكن من اقتراف الصحافيين، بل من الجهة التي عممت الخبر أي القصر لغاية ما (قد تكون بسبب تبرير غياب الملك عن مناسبة حضور الدرس الحسني الأول رمضان ذلك العام، ويا له من تبرير غاية في الغباء).. وبدلا من أن يهضم الأغبياء غلطتهم، ساقوا أزيد من عشرة صحافيين إلى الإستنطاقات، وأحكام بالسجن وغرامات مالية بالملايين، بل وانتهت الجعجعة القيامية بوضع مدير جريدة في السجن وإرغامه على التباكي على مصيره كامرأة ثكلى، ورفعه طلبا للعفو الملكي مرتين.. ولم يُطلق سراحه حتى لم يبق له سوى بضعة أسابيع على استكمال العقوبة المحكوم عليه بها أي سنة واحدة.

إنها “الحُكَرة” التي تمنحها القوة المطلقة للأنظمة الشمولية: القانون ومختلف الأجهزة الأمنية والقضاء.. إلخ.

طيب اليوم لا يتعلق الأمر بطرح أسئلة حول “طبيعة مرض الملك” إن كان حساسية مقيمة أم إسهالا عابرا، بل بطبيعة حُكمه، ولم يبق الأمر حبيس بضع جرائد تطبع بضعة آلاف من النسخ، بل لعشرات المئات بل الآلاف، من المواطنين يستعملون مواقع اليوتوب والتويتر والفايسبوك.. إلخ، لذيهم ما حبُلت به المجرة الأنترنيتية من ملايين المُتلقين، وتخترق رسائلهم الصوتية المصورة كل الأبعاد الزمانية والمكانية.
حدث هذا التحول في ظرف زمني لا يتعدى الثلاث سنوات حينما دق ناقوس خطر الحرب الإعلامية القادمة شخص عُرف عبر وسائل الإعلام العالمية بأنه “روبن هود المغربي” ونعني به قناص تارجيست ومَن لا يعرفه.. دشن هذا الأخير في المغرب صحافة جديدة كل الجِدة، إنها صحافة المواطن المغربي التي انتشرت بُعيد ذلك في مظاهرات مدينة سيدي إفني وأماكن أخرى.. لقد أصبح الفِعل والوسيط الإعلامي أو التذييعي، لأول مرة، بيد المواطن وهذا تحول خطير بكل المقاييس، انفجر بكل عنفوانه كما عايننا مُندهشين في الثورات التونسية والمصرية والليبية واليمنية والسورية..

إنه تحول “جذري” لم ير منه المعبودون وعَبَدَتُهم شيئا، بالرغم من أن نُذره جاءتهم تباعا وبأوضح ما يكون.. ألا سُحقا للسلطة ووهم جبروتها الذي يُعمي الأبصار والبصائر.

اليوم تحول محمد عليوين ورشيد ومحمد.. وعشرات المغاربة إلى أصحاب خُطب يشتمون فيها الملك كما لو تعلق الأمر بشرب فنجان قهوة وإشراك عشرات الآلاف في “تذوقه” فماذا عسى النظام الملكي وقانونه وأجهزته الأمنية السرية والعلنية ومحاكمه وقضاته.. إلخ أن يفعلوه؟ أن يطلبوا من البيت الأبيض الأمريكي تسليمهم “محمد عليوين” أو من الحكومة الهولندية استعادة رشيد..؟ ليُجربوا ذلك وستأتيهم الأجوبة بإهانات متتابعة.

مرَّ حين من الدهر على النظام الملكي في المغرب، بالتحديد غداة وفاة الحسن الثاني، كان مُمكنا جدا اقتراف انتقال ديموقراطي حقيقي، وذلك بتخلي الملك تدريجيا عن السلط التنفيذية والتشريعية والإقتصادية لفائدة الشعب، بدلا من الإصرار على الإحتفاظ بها و “اللعب” بها كما لو كانت أداة تجزية الفراغ.. حينها كان نوع جديد من الصحافة قد ظهر، عالج “التغول” الملكي بشىء غير قليل من الإتزان والمِهنية.. فثارت ثائرة “وليدات” المخزن الجُدد، وشرعوا في كيل الحقد والمحق لتلك الصحافة وصحافييها، حتى أفنوها عن بكرة أبيها وشتتوا صحافييها شذر مضر..

في غمار ما كان يقع من حرب على تلك الصحافة وصحافييها، بدر هذا الرأي من كاتب هذه السطور: الملك وأصدقاؤه لا يُريدون صحافة مستقلة وصحافيين مُستقلين يُناقشونهم بأدب ومِهنية، سوف يجدون أنفسهم غدا أمام مَن يُناقشهم بما يستحقونه من عدم الإحترام.

مصطفى حيران

A propos mhairane

journaliste indépendant.
Cette entrée a été publiée dans Uncategorized. Ajouter aux Favoris le permalien.

10 réponses à الملك بين نصوص “القداسة” وشتائم الأنترنيت

  1. FARID dit :

    أتعرف السي حيران لمادا يحكم الملك بهده الطريقة,لأن قدره ساقه إلى شعب اكثريته يفكرون بطريقتك و لما تكون السي حيران أنت وهدا الشعب مثل الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين عندئد سيترك لكم كل شيء لتحكموا أنفسكم بأنفسكم.الملك ورث البلد أمانة في عنقه وسيحاسب عليها أمام الله إن تركها لأمثالك تشعلون نار الفتن.فالملك معروف عليه أنه زاهد في السلطة.أما أن تمجد وتفتخر بمن يشتم الملك فهدا يدل على حقد في قلبك وقلة تربية وجهل انت واللدين دكرتهم في مقالك.بالمناسبة أنا لست من المخابرات ولا من المخزن,أنا مواطن عادي كعامة الشعب وأتحداك أن تترك تعليقي ولاتحدفه إن كنت تؤمن بحرية الرأي رغم أنك تشتكي بأنها ليست في المغرب لأنك لو كتبت مثل هدا المقال في دولة أخرى من الجزائر حتى قطر لأصبحت طعاما للكلاب.وبلغ سلامي للدمقراطية

  2. الحندكور dit :

    أخي حيران، فيما يخصني لا أستطيع أن أجهر بإسمي لسببين :
    ـ أولا الصحة على قد الحال ولا أخفيك فقد علمت من مصادر موثوقة بأنهم في معتقل تمارة غيروا نوعية القنينة، فمنذ 9 مارس شرعوا في استعمال قنينة أورنجينا بدل كوكاكولا
    ـ ثانيا أخاف أكثر على بعض الأصدقاء والعائلة في المغرب خاصة أبي المريض…
    وأقولها وبكل قناعة الملك لص، أبوه كان لص وكل حاشيته لصوص

  3. stevalvaw dit :

    i always read ur blog Mr Mustapha and you got always to the point.you really touch our feelings, the king is corrupt and a big theif..change is comming, the the Law of God on earth.it s a big shame in Morocco that people still fucked unfairly in the trubanls in the name of his majesty.Shame on you king.

  4. JAITE dit :

    lay hafdek

  5. الزير سالم dit :

    إرحل أيها الملك، إرحل فقد أفسدت وأبوك البلد، أيها اللص الذكي، إرحل ففي عهدكم كل شيئ يباع ويشترى، إرحل فإن لم تفعل الآن ما دام القضية لم تحماض، فإنك ستضطر أن تطلب اللجوء ولا دولة ستستقبلك ماعدا مملكة التايلاند، ، إرحل فلعنة المعتقلات ستلاحقك أنت و العصابة التي جندت لقهر المغاربة، إرحل وخد العبرةمن مبارك

  6. hafid dit :

    بسم الله الرحمان الرحيم وأعود بالله من الشيطان الرجيم
    أما بعد
    إني أرجوا من الله العلي القدير الرحمة بالهداية لهذه الخنشة من البشر التي أصبها صعار إسمه المطالبة الفورية و اللامشروطة بالحرية الوهمية و الرخاء المجاني فجأة و من غير مقدمات تزعزعت النفوس و انجلت الغشاوة من على العيون وصدحت الحناجر بالهراء و إني أقول كما قال المثل = ما طار طير و ارتفع إلا كما طار وقع

  7. josef dit :

    MA3ANDI MANGOOL BGHIT GHIR NGOOL LFARIDN1 WALLAH HATTA NTA MKA1LLAKJH

  8. koloban j dit :

    يكيلون له ذلك مع الأسف لأنه اللاعب الواحد الواثق من وجوده ويملأ الملعب طولا وعرضا شبه متأله على العباد…وبكل صفاقة ….في حين يحشر الشعب كله في زاوية ضيقة محرومة من كل شيء

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Twitter picture

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s