عبر تاريخ المغرب وحتى غابر الزمن المقبل لن يصح أبدا القول أن دستور يونيو 2011 جاء نتيجة مخاض عسير كما هو شأن كل اللحظات والمحطات العصيبة في تاريخ المجتمعات قديما وحديثا. لماذا؟
نص دستور 2011 لم يأت عقب ثورة قام بها الشعب ليُبدل حاله من طور حكم الفرد “الصمد” إلى حكم الشعب “المدد” كما حدث ويحدث في مصر الآن مثلا، كما أنه لم يأتنا من صراع مرير بين طبقة سياسية حزبية حريصة على دمقرطة البلاد والعباد والنظام الملكي المخزني.. كلا، لا هذا ولا ذاك كما نعلم علم اليقين.. دستور 2011 يظل من الملك وإليه ما دام أن محمد السادس هو الذي أعلن عن رغبته في خطاب تاسع مارس الماضي بتغيير الدستور.
صحيح إنه لولا “هذه اللحظة الثورية التاريخية” في المنطقة العربية ونضالات حركة شباب 20 فبراير والضغوط الخارجية (سيما من الولايات المتحدة الأمريكية) لما كان هناك حديث عن تغيير دستوري ولا هم يحزنون في بلاد المخزن والغاشي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. لكن من الصحيح أيضا أن دهاقنة التفكير المخزني انتبهوا إلى دِقَّة وحرج موقف الملكية في هذه الأجواء العصيبة على أنظمة الحكم الفردية في العالم العربي، فاختاروا مُكرهين لا أبطال، إخراج وثيقة دستورية “جديدة” لامتصاص الضغط المهول.
وبغض النظر عن كل النقاش الدستوري والقانوني المتخصص (نتركه لأهله، سيما النزهاء منهم) يُمكن القول أن الوثيقة إياها متقدمة في مبناها ومعناها من الزاويتين السياسية والتاريخية.. فلأول مرة مثلا يتم التنصيص دستوريا أن الوزير الأول (الذي سيصبح رئيسا للحكومة) سيأتي مباشرة من الأغلبية البرلمانية، أي من الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في الإنتخابات.. وهذا مطلب تعبت في اللحاق به أحزاب المعارضة السابقة الكلاسيكية أزيد من خمسة عقود (منذ دستور نونبر سنة 1962) حيث كان للملك الحق في تعيين الوزير الأول من أية جهة كانت (الحسن الثاني قال مرة أنه لن يجد أبدا مشكلة في اختيار كبير وزراء حكومته لأنه يستطيع أن يختار سائقه لهذا المنصب).. كما أنه لأول مرة يُمكن لرئيس الحكومة أي الوزير الأول أن يُعين وزراءه بالتشاور مع الملك لا أن يتوصل الأول من الثاني بلائحة وزراء الحكومة كما حدث مع عباس الفاسي حين سلمه المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه أسماء الوزراء ضدا على الدستور “القديم” نفسه الذي ينص في فصله الرابع والعشرين أن الوزير الأول يقترح على الملك لائحة وزراء حكومته.. وهذه آفة دستورية حقيقية في مغرب دساتير الحسن الثاني.. آفة حارت في تعريفها وتفسيرها أذهان خبراء القانون الدستوري سيما الجادين منهم مثل الأستاذة رقية المصدق.. ومن سماتها (الآفة الدستورية) أن العديد من النصوص الإيجابية نسبيا في النص الدستوري “القديم” مثل إشراف الوزير الأول على عمل أعضاء حكومت”ه” وكبار موظفي الدولة (المدنيين حصرا) لم تكن مُفعَّلة لأن دستة وزارات مهمة مثل الخارجية والداخلية والعدل ظلت دائما سيادية تمثيليتها في المجالس الحكومية هي لتزجية أوقات الفراغ لا أكثر.
هل سيتم التخلي عن هذه الآفة حين يدخل الدستور “الجديد” حيز التطبيق؟ هذا سؤال مُخيف.
السؤال أعلاه يجرنا للحديث إجمالا عن الضمانات السياسية لتفعيل العديد من الأمور الإيجابية التي جاءت في دستور يونيو 2011 ومنها مثلا هل سيتسلم رئيس الحكومة زمام العمل التنفيذي ويكون مسؤولا عنه (جديا) أمام البرلمان والرأي العام، أم أن الملك سيظل محتفظا كما كان الأمر دائما بالمقص والمطرقة، أي التدشينات الخارجة عن أية برمجة حكومية ناهيك عن المراقبة والمحاسبة؟
ثمة شكوك عديدة ترقى لدرجة اليقين “الدستوري” كيف؟ ببساطة لأن الأداة التنفيذية للدولة ما زالت مُحتفظة في الدستور “الجديد” برأسين تنفيذيين الأول كبير يتمثل في مجلس وزاري يرأسه الملك والثاني صغير هو مجلس حكومي يرأسه رئيس الوزراء.. كما أن الملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى.. فماذا تعني هذه الثنائية الرئاسية العليا والدنيا؟ ربما تحدد علاقة “مول الدار بمكتريها”.
في الدستور “الجديد” احتفظ الملك برئاسة الجيش والأمن ولقب إمارة المؤمنين.. وهذا معناه أن باقي النصوص “الإيجابية” المرتبطة مثل تلك التي تحدثت عن المراقبة والمحاسبة وحرية ممارسة الشعائر الدينية واستقلال القضاء وفصل السلط.. ستظل حبرا على ورق. إذ مَن الذي يضمن أن البرلمان سيُحاسب الملك إذا ما اقترف خطأ أمنيا أو دفاعيا كما حدث مثلا أثناء أزمة جزيرة ليلى أو التجاوزات الحقوقية والقانونية ما بعد 16 ماي؟ هل سيُساءل الملك مثلا عن مسؤولياته المُباشرة عن عمل أجهزة الجيش والأمن والقضاء التي يرأسها دستوريا؟ لا شىء يضمن ذلك لأن الملك “لا تُنتهك حرمته” بموجب الدستور.
وعلى ذكر “حرمة الملك” التي استُعيضت في الدستور “الجديد” عن صفة “شخص الملك مقدس” التي كانت في الدستور “القديم” هل تعني أنه لا يحق التلفظ بكلام ناب وشتم رخيص في حق الملك (هذا حق لكل فرد مواطن خفيرا كان أوملكا) أم لا يحق توجيه النقد له ومحاسبته ومراقبته باعتباره رئيسا للدولة وممثلها الأسمى المسؤول عن الأوراش الكبرى لسير شؤون الدولة؟ لا جواب محدد في دستور 2011 على غرار الدساتير الخمسة السابقة.. إنه الغموض نفسه الذي يُحيل على الظهير الإستعماري الشهير: “كل ما من شأنه..” وما مصير نص حرية التعبير في الدستور “الجديد” حينما يتعلق الأمر بشخص “ملك لا تُنتهك حرمته”؟
واضح من خلال الجرد السريع أعلاه أن المخزن الملكي احتفظ بزمام الأمور كاملة عنده.. وضمن “خط الرجعة” عن كل “الإيجابيات” السياسية والحقوقية التي جاءت في الدستور “الجديد”.. ومنها مثلا حق الملك في حل البرلمان بمجلسيه وإعلان حالة الإستثناء.. وهذه سمة محورية بارزة في أنظمة الحكم الفردية الشمولية ليس في مقدور المخزن الملكي التخلي عنها لأنها عنوان وجوده.
ثمة معظلة تطبيقية أخرى أمام دستور 2011 وتتمثل في هذه الأرضية الحزبية السياسية المترهلة من كثرة استهلاكها مخزنيا.. إنها الأرضية ذاتها التي أدت “لعبة التعددية” الشكلية الحكومية والبرلمانية.. ونعني بها أحزاب “السيرك السياسي” بتعبير الحسن الثاني نفسه.. هذه الأحزاب لم تدفع في اتجاه التعديل الدستوري حتى يمكن القول أنها ستعمل على الدفاع عنه ومراقبة اجرأته خطوة خطوة، بل منها مَن ليس متفقا مع العديد من الإيجابيات فيه مثل ترسيم اللغة الأمازيغية مثلا، فكيف لها أن تعمل على أجرأة بنوده وفصوله.. إنها أحزاب فرحة بلقب رئيس الحكومة الذي سيُصبح حتما صفة شكلية في أيدي طبقة سياسية تنتظر أن تأخذ ما لا تستحقه، وبهذا الصدد أرجو ألاَّ أكون مُبالغا إذا قلت أن هذه الأحزاب المؤثثة للتعددية الحزبية المخزنية، ما كان لها لتظفر بلقب مثل “رئيس الحكومة يأتي من الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية” حتى لو ظلت تنتظر ثلاثة قرون.. ذلك ببساطة لأنها لم تكن في حاجة إليه فكيف لها أن تُفعِّله وقد جاءها من حيث لا تحتسب؟
إنه وضع سياسي مضحك ومُبكي..
لنطرح هذا السؤال بحذر: هل يمكن اعتبار دستور 2011 متقدما جدا على انتظارات الشعب المغربي؟ يُجيب الكثيرون، سيما الطبقة السياسية المملوكة للمخزن الملكي بحماس أدعى للسخرية والتهكم المُرَّين: نعم.. أمَّا آخرون ومنهم كاتب هذه السطور فيقولون: لا جديد تحت الشمس.. إنه دستور من الملك وإليه بالرغم من كل “الإيجابيات” التي جاء بها لأنها مشروطة بمكبلات واعتراضات النص الدستوري نفسه ناهيك عن عوائق واقع غير إيجابي يصعب تغييره ولو توفرنا على دستور السويد.
الحكم الشمولي الذي سرى في الأمكنة والأفئذة زمنا طال حتى أتى على البشر والشجر والحجر.. لا تنفع معه كل “الروتوشات” الدستورية والقانونية وما إلى ذلك، بل يحتاج إلى إرادة شعبية قوية تصنع واقعا جديدا في كل المجالات تتوج بنص دستوري يكفل الحقوق والواجبات للجميع حاكمين ومحكومين. وهذا مطلب ما زال دونه الكثير من المعاناة..
لم يتبث في التاريخ أبدا أن نظاما ملكيا أو أي نظام آخر ديكتاتوري بطبيعته (مهما كان “متسامحا”) منح دستورا ديموقراطيا حقا وليس شكلا.. الشعوب هي التي تصنع ديموقراطياتها المناسبة حين تنتزع الحكم من زمام الأفراد لتضعه في أيدي الجماعة.
مصطفى حيران